{لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (22)} [المجادلة]
(026)سافر معي في المشارق والمغارب :: (025)سافر معي في المشارق والمغارب :: (024)سافر معي في المشارق والمغارب :: (023)سافر معي في المشارق والمغارب :: (022)سافر معي في المشارق والمغارب :: (021)سافر معي في المشارق والمغارب :: (020)سافر معي في المشارق والمغارب :: (019)سافر معي في المشارق والمغاري :: (018)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


أسباب حفظ الله تعالى لهذا الدين:

أسباب حفظ الله تعالى لهذا الدين:
السبب الأول: أن آيات القرآن كلها كتبت في عهد النبي صلى الله عليه و سلم:
فلم يمت إلا بعد أن كتبـت آياته بأمره في مواضعها التي عينها هو لكتابتها، ثم هيأ الله أصحاب نبيه فجمعوه في مصحف واحد ووزعوا نسخه في الأقطار الإسلامية في عهدهم... وهذه ميزة لم تحصل لأي كتاب من الكتب السابقة.
السبب الثاني: أن الأجيال المسلمة نقلت القرآن الكريم نقلاً متواتراً على مدار التاريخ:
حيث يحمله الجيل السابق إلى الجيل اللاحق، فهو متواتر النقل تواتراً لا يوجد له نظير، واجتمع على نقله وحفظه مئات الألوف، حِفْظُ ألفاظِه في صدور صغار الأمة الإسلامية وكبارها، رجالها ونسائها، مع حفظ كتابته في كل عصر بوسائله المتاحة برسم معروف لا يتغير بتغير الكُتَّاب والطابعين، حتى أصبح اليوم يوجد في البر والبحر والجبل والسهل، والمدينة والريف، وفي الغابة والصحراء وهو هو في كل مكان.
ولقد وفق الله المملكة العربية السعودية للتوسع في نشره، فانتشر مصحف المدينة المنورة، انتشاراً واسعاً، في كل أنحاء المعمورة، ونفع الله به المسلمين في هذا العصر، وله أحجام متنوعة، تناسب كل الفئات، كما أنه طبع طبعات متنوعة كذلك من حيث أنواع الخطوط المناسبة للعرب مشارقتهم ومغاربتهم، ولغير العرب من الهنود والباكستانيين وغيرهم، بحسب ما ألفوا من الطبعات.
السبب الثالث: أن الله هيأ له من يقوم بترجمة معانيه إلى لغات العالم:
وهيأ له من يصحح ما يقع في ترجماته من أخطاء، فلا تزور بلداً إلا وجدت فيه ترجمات بلغات أهله، مع تقصير القادرين من المسلمين الشديد في دعمه الكافي، مقارناً بما يقوم به غيرهم من أهل الأديان المحرفة، وبخاصة النصارى، أفراداً وجمعيات وحكومات.
وقد يعمد أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والوثنيين إلى طبع المصحف الكريم وتحريف بعض ألفاظه، لإدخال بعض ما يريدون مما يظنون أنه يحقق بعض مقاصدهم لدى جُهَّال المسلمين، أو غيرهم، ولكنا نحمد الله لا يمضي على ذلك وقت يسير إلا وقد علت أصوات المسلمين، صغاراً وكباراً، محذرة مما صنع المحرفون.
كما يعمد بعض المستشرقين والمنصرين، إلى تحريف بعض معاني آياته المترجمة، ولكن الله تعالى يقيض من يفضحهم ويصلح ما أفسدوا في معاني كتاب الله.
وقد تقع أخطاء غير مقصودة في ترجمة معاني القرآن، من مسلمين وغير مسلمين، ولكنها لا تفتأ أن تجد من يصححها ويبين أخطاءها.
وبذلك تحبط مساعي من يبتغي الإساءة إلى الإسلام ويرد الله كيدهم في نحورهم، تحقيقاً لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.
السبب الرابع: أن الله تعالى هيأ علماء الإسلام لحفظ معاني الكتاب والسنة:
فكان منهم المفسر ومنهم الفقيه ومنهم المحدث، وغيرهم بحيث لا يظهر زنديق يريد أن يحرف شيئاً من معاني القرآن والسنة إلا وجد شهب الحق المحرقة تأتيه من كل مكان.
وقد وضع علماءُ الإسلام قواعدَ وضوابطَ لفهم معاني كتاب الله وسنة رسوله، وكيفيةِ استنباط الأحكام لما يستجد من النوازل في حياة الأمة، تحفظ تلك القواعدُ والضوابطُ طلابَ العلم من تعمد الخطأ في الاعتماد على دليل ضعيف، أو عِوج في استنباط حكم من نص صحيح، أو الشطط في قياس خَلِيٍّ من شرط مفقود لطيف.
فدونوا للقرآن علومه وقواعد تفسيره، وللحديث مصطلحه وعلومه وسِيَرَ رجاله، وللفقه قواعدَه وأصولَه، وللغة نحوَها وصرفَها وغريبها واشتقاقها.
فلا يعوز طالبَ العلمِ المجتهدَ العثورُ على دليل صحيح، يستنبط منه حكماً شرعياً صائباً تحتاج إليه الأمة في مسيرة حياتها.

السبب الخامس: ارتباط المسلمين أفراداً وجماعات، بكتاب ربهم وسنة نبيهمصلى الله عليه و سلم:
فعامة أفراد المسلمين يؤمنون بأن هذا القرآن جاءهم من عند الله، وأن محمداً صلى الله عليه و سلم هو رسول الله، وأن الإسلام الذي اشتمل عليه الكتاب والسنة هو دين الله. ويعتقدون أن الله تعالى فرض عليهم عبادة ربهم واحترام رسوله وطاعته، والعمل بكتاب الله وسنته.
هذه هي عقيدتهم، وهذا هو إيمانهم، لا يبغون به بدلاً، ولو قصروا في العمل، وبدر من بعضهم شيء من المعاصي والزلل، فهم يعترفون إذا عصوا ربهم أنهم مخالفون لأمره، يرون أن التوبة إليه واجبة، وأنهم آثمون يستحقون عقابه إن لم يغفر لهم.
ولهذا تجد كثيراً من المسلمين يخالفون أمر الله ونهيه فترة من حياتهم، ثم يؤوبون إليه مستغفرين نادمين، فيكونون بعد توبتهم أكثر تزكيةً وارتباطاً بربهم، هُداةً مهديين.
وشرع تعالى في كتابه وسنة رسوله ما يعيد العاصي إلى طاعة ربه إذا غوى، من نصح يؤثر، أو عقاب يزجر من حد أو تعزير.
وعامة أُسَر المسلمين يعلمون أن الله تعالى قد شرع لكل منهم على الآخر حقوقاً، وسن له عليه واجبات، يجب عليهم أن يتعاونوا على تطبيق ما يحقق فيهم شرع الله ويحفظ عليهم روابطهم وصلة رحمهم، ويحميهم من التفكك والانحلال.
وقد تضمن الإسلام ما فيه رحمة الفرد والأسرة والأمة، في كل شأن من شؤون الحياة، يعرف ذلك من رزقه الله فقه كتابه وسنة نبيه، وبنى حياته على هدي الله وصراطه المستقيم، وتمتع بمجتمع يطبق شريعة الله في حياته.
فالفرد المسلم الذي قويت صلته بربه بالفقه في دينه، والإيمان الصادق به وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وأدى عبادته كما أمره الله تعالى، وأدى حقوق خلقه عليه، هذا المسلم، ينال في حياته من السكينة والطمأنينة وراحة البال، ما لا يناله غيره ممن حرم ما مَنَّ الله به عليه بالهداية والتوفيق.
والأسرة المسلمة التي يعرف كل فرد فيها حقوقه على غيره وواجباته لغيره، ويقوم كل منهم بواجباته، ولا يحيف على من سواه، يسودها الود والتراحم، إذ يرحم كبيرها صغيرها، ويوقر صغيرها كبيرها، فيقوم الوالدان بحق الأولاد، ويقوم الأولاد بحقوق الوالدين، ويقوم كل قريب بحق قريبه.
وقد نظم الإسلام أحكام الأسرة تنظيماً مفصلاً دقيقاً عادلاً، قَلَّ أن يوجد له نظير في القوانين الوضعية، مع العلم أن الأسر المسلمة تطبق هذا النظام عبادة لله وطاعة لرسوله، وليس تطبيقها مراعاة للنظام لكونه مجرد نظام، كما هو حال الأنظمة والقوانين الوضعية التي يطبقها الناس خوفاً من الجزاء والعقاب المادي في المحاكم أو إدارات الشرطة.
نعم قد يخالف المسلم نظام الإسلام، وينال جزاءه المشروع في الإسلام، ولكن الأصل أن يطبق النظام مخلصاً لله الرقيب على كل شيء.
وقد نالت أحكام الأسرة في القرآن الكريم، في كثير من السور في حقوق الزوجين، وحقوق الآباء وحقوق الأبناء وحقوق الأقارب، وفي الميراث، والرضاع والحضانة، وفي النكاح والمهر والإيلاء والخلع والطلاق والظهار والعِدَد، والصلح بين الزوجين وغيرها، حظاً وافراً وعناية فائقة.
وقد سميت سورة كاملة بـ"سورة 3" وسميت أخرى بـ"سورة الطلاق" كما سميت سورة أخرى بـ"سورة المجادلة" لافتتاحها بحكم الظهار الذي جادلت في شأنه إحدى الصحابيات الرسول صلى الله عليه و سلم.
وفي سنة الرسول صلى الله عليه و سلم من التفصيل في أحكام الأسرة، ما يصعب حصره، فضلاً عن الأبواب التي خصصت لها في كتب الفقه، أو الكتب التي ألفت فيه خاصة.
وإن العاقل المنصف الذي يقارن بين أحكام الأسرة في الإسلام وأحكامها في غيره من الأديان أو القوانين الوضعية، ليرى في كل حكم من أحكامها في الإسلام الرحمة والعدل ماثلين أمامه، لا يوجدان في غيره.
ويمكن مع دراسة ما شرعه الله في القرآن والسنة، مراجعة الكتب الثلاثة الآتية للمقارنة بين الإسلام وغيره من الأديان والقوانين الوضعية، في ما يتعلق بالمرأة وهي ركن ركين في الأسرة، لتعلم المرأة غير المسلمة وليعلم دعاة حقوق المرأة، الفرق بين العناية الربانية بالمرأة وما يزعمه دعاة تحريرها..
الكتاب الأول: "أستاذ المرأة" للشيخ محمد بن سالم البيحاني رحمه الله.
الكتاب الثاني: "المرأة بين الفقه والقانون" للدكتور مصطفى السباعي، رحمه الله
الكتاب الثالث: كتاب "المفصل في أحكام المرأة والأسرة في الشريعة الإسلامية" تأليف الأستاذ الدكتور عبد الكريم زيدان.
ويمكن مراجعة كتابنا "أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي" في حقوق وواجبات الأفراد والأسر، والمجتمع بصفة عامة.
العناية بعلاقات مؤسسات المجتمع المسلم:
كما عني الإسلام بالعلاقة بين مؤسسات الأمة المسلمة، وأقصد بهذه المؤسسات الموضوعات الآتية:
أولاً: أهل الحل والعقد في البلدان الإسلامية، مثل مجالس الشورى التي تتكون من علماء الشريعة، وعقلاء الشعوب وأعيانها، وذوي الاختصاص من السياسيين والاقتصاديين والإعلاميين والدبلوماسيين والأطباء، وغيرهم ممن تحتاج الأمة إلى آرائهم وتخصصاتهم، وولاة أمر المسلمين، من الملوك والأمراء والرؤساء.
ثانياً: المؤسسة القضائية التي تتحقق بها العدالة بين كافة المواطنين مسلمين وغير مسلمين، لا فرق بين حاكم ومحكوم.
فمقصود الولايات في الإسلام إقامة شرع الله المتضمن لتحقيق حفظ ضرورات حياة الأمة ومصالحها، ودفع المضار والمفاسد عنها.
وقد بين علماء المسلمين القواعد والأصول التي يجب أن تتوفر في هذه المؤسسات، في كتب السياسة الشرعية، المستمدة من القرآن والسنة والاستنباط السليم منهما[1].
ثالثاً: شرع الله تعالى للأمة في كتابه ما يعيد من شذَّ منهم إلى الصواب، بصلح ناجح أو بحكم حاسم.
والصلح يكون بين الأفراد والأسر والطوائف المتنازعة، كما قال تعالى في الصلح عموماً: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}[2].
وقال تعالى في الصلح بين الزوجين: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً(35)} [3].
وقال تعالى: {وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}[3 : 128].
وقال تعالى في الصلح بين الجماعات والطوائف: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)}[5]. والأحاديث الواردة في هذا الباب كثيرة.
رابعاً: جماهير الأمة الإسلامية تؤمن بأن الله تعالى أمرها بالتعاون على البر والتقوى، ونهاها عن التعاون على الإثم والعدوان.. {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[6].
وكلفها السعي في اتخاذ الأسباب التي تحقق الأخوة الإيمانية فيما بينها، والبعد عن الأسباب التي تقضي على تلك الأخوة أو تضعفها، ويتحقق ذلك كله باجتماع كلمتهم على الحق والاعتصام بحبل الله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)} [7].
خامساً: أمر الله هذه الأمة بأن يكون ولاؤها لله ولرسوله والمؤمنين، فيحب بعضهم بعضاً ويواسي بعضهم بعضاً، وينصر بعضهم بعضاً، وأن يكون عداؤها لمن عادي الله ورسوله والمؤمنين، فلا يحبون ديناً يخالف دين الله، ولا ينصرون على أولياء الله من ناوأهم أو اعتدى عليهم من أعدائهم، ولا يتخذون لهم بطانة من دون المؤمنين، وأن من والَى أعداء الإسلام ضد أهله، مآله الخيبة والندم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}[7 : 118].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)} [9].
السبب السادس: مشروعية ارتباط المسلمين الدائم بربهم ورسولهم ودينهم:
فلا يمر وقت من الأوقات على المسلم يكون فيه بعيداً عن ربه وذكره وعبادته. فارتباط المسلم بربه مستمر دائم في كل لحظة من لحظات عمره وعلى صلة دائمة به: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163)}[10].
فهو يصلي كل يوم وليلة خمس صلوات مفروضة، في أوقات محددة موقوتة، ليس له أن يتقدم عليها أو يتأخر بدون عذر شرعي، وهو مأمور بالطهارة الكبرى والصغرى لكل صلاة منها... هذا عدا نوافل الصلاة المؤكدة وغيرها مما لا حصر له منها.
وهو يصوم شهراً كاملاً في السنة فرضاً لا يسقطه عنه سقوطاً مؤقتاً أو مطلقاً إلا عذرٌ شرعي... هذا عدا نوافل الصوم التي أفضلها صوم يوم وإفطار يوم على القادر في عمره كله.. وهناك أيام محددة في الأسبوع وفي الشهر وفي العام يشرع للمسلم صيامها، كيومي الخميس والاثنين من كل أسبوع، والأيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر، والأيام التسعة الأولى من شهر ذي الحجة، وغيرها مما يرغب المسلم صيامه، وأفضلها صيام داود عليه السلام، صيام يوم وإفطار يوم في كل عمره إذا استطاع.
وهو يحج حجاً مفروضاً عليه مرة في عمره، لا يجوز له تركه إلا بعذر شرعي، وقد رغبه الله في الإكثار من الحج والعمرة ووعده بالثواب الجزيل على ذلك.
وهو يخرج زكاة ماله في أوقاته المحددة، لا يجوز له تأخير ذلك، وأمره الله تعالى بنوافل الصدقات والإنفاق مما رزقه الله، في كل ما يحقق الخير للإسلام والمسلمين.
وهو مأمور بذكر الله تعالى الواجب والمندوب، بحيث لا يزال لسانه رطباً بذكر ربه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً(42)} [11].
وهو مأمور بتعاطي ما أحلَّ الله وترك ما حرَّم الله في كل تصرفاته، فلا يخلو المسلم في أي وقت من أوقاته من فعل طاعة أو ترك معصية.
فليس له أن يعصر خمراً ولا يبيعها ولا يعلن عنها ولا يسقيها ولا يملكها.
وليس له أن يصنع سلاحاً أو يبيعه لمن يقتل به نفساً حرم الله قتلها مسلماً كان أو غير مسلم بغير حق، ولا يتلف به مالاً ولا حرثاً ولا حيواناً إلا لضرورة أو حاجة قريبة منها، ولو كان مالكوها محاربين.
وليس له أن يبيع أو يشتري بيعاً أو شراءً فيه غش للناس، وضرر بهم.
وليس له أن يسرق مال غيره ولا يغتصب ما يملكه ولا يستحل عرضه ولا يطلع على عورات جاره أو غيره.
فهو في كل حال من أحواله مرتبط بربه؛ لأنه يضبط جميع تصرفاته بطاعته وترك معصيته.
السبب السابع: ما شرعه الله من العبادات الجماعية التي تربط المسلمين بعضهم ببعض:
إن كل مسلم مسؤول مسؤولية فردية، عمَّا كلَّفه الله تعالى إياه من شريعته، ومع ذلك فقد شرع الله تعالى لعباده المسلمين، عبادات جماعية، يقوم بها المسلمون قياماً جماعياً، سواء كان التكليف بها فرض عين أو فرض كفاية أو مندوباً.
وليس المقام هنا مقام تفصيل لبيان ذلك، وإنما المقصود بيان هذه العبادات الجماعية التي تربط المسلمين جميعاً بربهم في تلك العبادات الجماعية.
فقد شرع الله تعالى للمسلمين عمارة الجوامع والمساجد المادية في مدنهم وأحيائهم، وشرع لهم عمارتها بذكر الله فيها، وبخاصة صلوات الجماعات خمس مرات في اليوم والليلة، وصلوات الْجُمَع الأسبوعية، التي ينادي المؤذنون فيها لكل صلاة من تلك الصلوات.
وشرع الله لهم أن يكون أئمتهم من القراء الذين كثير منهم يحفظون كتاب الله أو كثيراً منه، ويفقهون أحكام الله، فيسمع منهم المصلون في الصلوات الجهرية ما يقرؤون من كتاب الله، فيتدبرونه وينتفعون به.
وسماع المسلم كتابَ الله يُتلى عليه، وهو بين يدي ربه متجهٌ إليه خاشعٌ له، يختلف عن سماعه في غير هذا الموقف، لأنه قد استعد في هذا الموقف للاستماع المفيد، والإنصات الواجب، وتدبرِ من ألقى السمع وهو شهيد.
والمسلم في هذه الحالة العبادية الخاشعة الراغبة الراهبة، شديد البحث والتفتيش عن نفسه في آيات كتاب ربه، ليعرف أين هو فيها من النواحي الإيمانية والعبادية والأخلاقية، والاجتماعية، والفقهية والدعوية؟ أين هو من رضا ربه أو سخطه؟
وهل يتصف بصفات مَن رضي الله عنهم من المؤمنين، أو بصفات من سخط الله عليهم من الكافرين والمنافقين؟ وهل صلته بالله تؤهله لدخول الجنان أو لعقاب ربه في النيران؟
ويتدبر ذكر ربه المشروع في قيامه وركوعه وسجوده وقعوده، فيمتلئ قلبه حباً لله ورغبةً فيما عنده، وخوفاً ورهبةً من قوته وجبروته، وطمعاً في عزته ونصره على أعدائه، فلا يخاف إلا الله ولا يطلب العزة إلا من مولاه، فلا يخرج من صلاته إلا وقد تحقق له الهدف من إقامتها والحكمة من أدائها: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)} [12].
وللمسلمين يومُ عيدٍ أسبوعي، وهو يوم الجمعة الذي فرض الله تعالى فيه على كل مكلف من رجالهم، حضور خطبتيه وصلاته، حيث يعلو خطباء الجوامع الكبيرة والصغيرة في القرى والمدن والأحياء المنابر، أمام الجموع الحاشدة، لتذكيرهم بكل ما يحتاجون إليه في حياتهم، من أمر الإيمان والعبادة والأخلاق والحلال والحرام في المعاملات، والشؤون السياسية والعلاقات الدولية، مبنية كلها على كثير من آيات القرآن الكريم والسنة النبوية وما استنبطه منهما علماء الإسلام.
فلا ينزل خطيب من على المنبر في شرق، إلا صعد خطيب آخر على منبره في غرب، اليوم كله في كل الأرض تذكير وصلاة.
إنها انطلاقة حاشدة في يوم واحد وفي كل مكان من الأرض لنصر هذا الدين وجمع كلمة المسلمين على الحق، وتفقيههم في دين الله، لا يستطيع أحد أن يمنعها، وإن ضُويق بعض الأئمة والخطباء بالحد من حريتهم في قول الحق في بعض البلدان.
وفرض الله علي المسلمين جميعاً فرض عين على كل قادر صيام شهر رمضان كله، لذلك ترى المسلمين في هذا الشهر المبارك، جميعاً صائمين نهاره، تجتمع أسرهم في المنازل لتنال وقت الإفطار ووقت السحور، في غاية من الفرح والحبور، يتسابقون في مناولة أحدهم أخاه حبات التمر أو لقمة العيش، وكوب الماء وفنجان القهوة.
وهكذا تجد جماعاتهم في المساجد عند أذان المغرب، يمدون موائدهم ويقربون تمرهم وقهوتهم وأطعمتهم، ويتنافسون في استضافة المصلين على مشاركتهم في الإفطار معهم.
والذي يرى اجتماع المسلمين في المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه و سلم، على تلك الموائد التي يبدؤون في إعدادها من بعد صلاة العصر، يسبي ذلك المنظرُ قلبَه ويدهش عقله، وهم مكبون على تلاوة كتاب ربهم متدبرين، في غاية الخشوع، أو رافعين أيديهم طالبين من ربهم العفو والمغفرة وقبول الصيام.
ثم تراهم بعد صلاة المغرب يتسابقون إلى منازلهم، ليستعدوا لصلاة العشاء وصلاة التراويح التي يختم فيها كثير من الأئمة القرآن الكريم في ليالي الشهر الكريم، يتلونه تلاوة تؤثر في القلوب وتغذي الألباب، فلا يخرج شهر رمضان إلا وقد تزود المسلمون منه زاداً يربطهم بربهم بقية أشهر السنة.
إنه شهر تربية وتدريب وإيمان وتقوى وعبادة جماعية ذات أثر عظيم في جمع الكلمة والاعتصام بحبل الله والثبات على هذا الدين وقوة الصلة برب العالمين.
وفرض الله على الصائمين في ختامه حقاً لفقرائهم، سميت بزكاة الفطر، لتكون طهرة لهم وإغناء لإخوانهم المحتاجين، في يوم العيد الذين يفرحون فيه بتوفيق الله لهم بإتمام الصيام، فلا يفرح فيه الغني دون الفقير، ولا يترك الفقير فيه يتكفف لقمة عيشه وعيش أولاده.
وفرض الله تعالى على كل قادر بالبدن والمال ممن لم يحج أن يحج إلى بيته الحرام، وما أكثر المسلمين الذين لم يؤدوا فريضة حجهم في العالم، فيجتهدون في الحج إلى البيت العتيق في كل عام من الأعوام!
لذلك تراهم يفدون إلى بيت الله الحرام من كل فج عميق، يملأون الجو والبر والبحر، متحدين لباساً ونيةً وذكراً، مؤدين نسكهم في وقت واحد طوافاً وسعياً ووقوفاً، ومبيتاً ورمياً ونحراً، بصفة قلما تجد لها نظيراً في أمة من الأمم، وهم يلهجون في كل أوقاتهم بذكر الله.
يلتقي المسلمون محققين في لقائهم ما ذكره الله تعالى من حِكَم الحج ومنافعه: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}[13].
يُعَلِّم عالِمُهم جاهلَهم، ويتحاورون فيما يعود عليهم وعلى أمتهم بالخير في دينهم ودنياهم، كما قال تعالى: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً}[6].
وقد يكون من هذا الفضل الذي يبتغونه التجارة التي يزاولها الأفراد بعضهم مع بعض، ولكن الفضل التجاري والاقتصادي وغيرها من الشؤون الاجتماعية والثقافية والإعلامية والتعليمية، والسياسية والعسكرية، أصبحت اليوم متاحة جماعياً، بحيث تستفيد بعض الدول وبعض الشعوب، وبعض الشركات من بعض، ويمكنهم أن يعقدوا اتفاقيات في ذلك كله، ويتعاونوا فيما بينهم لمنافسة غيرهم من الدول والشعوب والشركات التي تتعاون فيما بينها لتحقيق مصالحها ضد مصالح المسلمين... وكل ذلك داخل في فضل الله تعالى الذي هيأه لهم في هذا الموسم العظيم.
يضاف إلى أداء فريضة الحج ما يقوم به كثير من المسلمين من الحج والعمرة تطوعاً، طمعاً في مغفرة ذنوبهم ونيل الثواب الجزيل على ذلك.
وشرع تعالى لعباده المؤمنين صلوات جماعية أخرى غير الصلوات الخمس في مناسبات وأوقات معينة:
منها صلاة الاستسقاء عند الجدب والقحط لطلب الغيث من ربهم الذي يسقي أرضهم وينبت زرعهم ويدر ضرعهم ويغذيهم ويغذي أنعامهم.
ومنها صلاة الكسوف والخسوف عندما تكسف الشمس ويخسف القمر، اتباعاً للرسول صلى الله عليه و سلم، وتضرعاً إلى الله تعالى من أن ينزل بهم غضبه عقاباً لهم على معصيته، ففي الكسوف والخسوف تذكير لعباده بكمال قدرته، وتغيير الأحوال المعتادة إلى غيرها مما لا قدرة لأحد على اتقائه إلا برحمة الله وفضله.
ومنها صلاة العيدين: عيد الفطر وعيد النحر، اللتين يؤديها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، في يوم واحد أو أيام متقاربة، بحسب المطالع.
ذكر الله لا ينقطع في كل لحظة وكل مكان:
وإن العاقل إذا تأمل صلة المسلمين بربهم وبرسولهم وبدينهم، يجد الأرض معمورة بتلك الصلة في كل لحظة من لحظات الزمن ليلاً ونهاراً، في فصول السنة الأربعة.
فما إن يفرغ مؤذن في بقعة من الأرض من أذانه في الشرق القريب، إلا بدأ زميله في أذانه في الغرب القريب منه، كأبي ظبي مع الرياض، وهذه مع المدينة، والمدينة مع القاهرة، والقاهرة مع طرابلس، وطرابلس مع تونس، وتونس مع الجزائر، والجزائر مع الدار البيضاء، والدار البيضاء مع نواكشوط، وهلم جرا.
وقس على ذلك أصقاع الأرض في مشارقها ومغاربها... لا يزال المسلمون في أذان وإقامة وصلاة وذكر، لا يمكن أن يمر وقت خال من ذلك... وهو أمر لا يوجد لأي أمة من الأمم ولا دين من الأديان في كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة ليلاً ونهاراً في الأرض كلها.
السبب الثامن: شمول العبادة في الإسلام لكل ما ينفع الناس:
إن هذه الأمة التي هذه صفتها، والتي يمكن تسميتها بـ"أمة العبادة" ليست عبادتها في الصلاة والزكاة، والصيام والحج، وقراءة القرآن والذكر، وفي المساجد فقط... وإنما عبادتها شاملة لذلك ولغيره من عمارة الأرض بكل ما ينفعها وينفع الناس جميعاً.
ولهذا يجد من يتأمل نصوص القرآن والسنة، والسيرة النبوية، وما يتعلق بها من تفاسير كتاب الله تعالى، وشروح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وكتب السياسة الشرعية وكتب الفقه، وكتب السلوك والأخلاق، وواقع المسلمين عندما يطبقون دين الله في حياتهم... يجد من يتأمل ذلك أن العبادة في الإسلام شاملة لكل ما يقوم به المسلم من الأعمال النافعة له ولغيره من بني البشر؛ لأن تلك الأبواب كلها لا تخلو من ثواب أو عقاب: ثواب على فعلها واجبة كانت أو مستحبة أو مباحة قصد بفعلها وجه الله، وعقاب على ترك الواجب منها، أو المحرم، وثواب على ترك مباح فيه خشية الوقوع في حرام.
أقول: إن الذي يتأمل ذلك يجد في تلك المصادر جميعاً وفي التاريخ الذي سجل ذلك الواقع، ما يثبت اهتمام الإسلام بالقوة المعنوية والقوة المادية المبنية عليها.
ولسنا في حاجة إلى اهتمام الإسلام بالقوة المعنوية، فهذا أمر بدهي لا يحتاج إلى إسهاب ولا إقامة حجة عليه، وعندما نذكر شيئاً منه إنما نقصد التذكير بأن هذه الأمة ذات صلة قوية بربها تدفعها إلى أداء حقوق ربها وحقوق نفسها، وحقوق غيرها..
ولكنا يجب أن نشير إشارة موجزة إلى الشق الثاني، وهو اهتمام الإسلام بالقوة المادية، وهي عمارة الأرض على أساس التوجيه الرباني الذي يجعل تلك العمارة محققة لمصالح الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم، مع الالتزام بالعدل مع المسلم وغير المسلم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[9 : 8].
فما من باب من أبواب العمل النافع في البيع والشراء والدَّين والقرض وشؤون الاقتصاد، والتجارة، والزراعة والصناعة، والسياسة، والتعليم، والدعوة ـ وهي لا تتم إلا بالإعلام ـ وشؤون القتال ـ الجهاد في سبيل الله ـ والإدارة، وغيرها، إلا كان للإسلام فيه تشريع وتوجيه.. لا يخفى ذلك على من عنده أدنى إلمام واطلاع على مبادئ هذا الدين ومصادره.
ويكفي أن نعلم كثرة الآيات التي ذكر الله تعالى فيها العمل وكذلك السنة، إضافة إلى أن 25 كانوا يعملون وينفقون على أنفسهم من عمل أيديهم، فكان منهم النجار مثل نوح ?، ومنهم الحداد كداود ?، ومنهم راعي الماشية كموسى ? وغيره من 25.
وقد أمر الله ? الرسول صلى الله عليه و سلم، بالاقتداء بمن سبق من أنبياء الله ورسله، كما قال تعالى له بعد أن ذكر ثمانية عشر نبياً منهم: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}[16].
وزاول نبينا صلى الله عليه و سلم رعي الغنم قبل الرسالة، كما زاول التجارة، وباع واشترى بعد الرسالة، وكان يعمل مع أصحابه في الأعمال الشاقة كالبناء وحفر الأرض الصلبة ومنها ضرب الصخور، وبناء المسجد، وهو عمل مدني، وفي حفر الخندق وهو عمل عسكري حربي.
وحث صلى الله عليه و سلم أمته، على الحرص على كل ما ينفعهم.
كما روى عنه أبو هريرة رضي الله عنه، قالَ: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز ...)) [صحيح مسلم (4/2052) رقم (2664)].
وحث صلى الله عليه و سلم على اكتساب الرزق من العمل، مهما كانت صفته، ونفرهم من سؤال الناس، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قَال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره، خير من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه))[ البخاري صحيح البخاري (2/730) رقم (1968)].
وعلَّم صلى الله عليه و سلم بعضَ أصحابه، كيف يتجر في أقل ما يملك، ويستغني به عن الناس، كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه و سلم، يسأله، فقال: ((أما في بيتك شيء؟ قال: بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء.
قال: ائتني بهما فأتاه بهما. فأخذهما رسول الله صلى الله عليه و سلم بيده، وقال: من يشتري هذين؟.
قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال: من يزيد على درهم؟ مرتين أو ثلاثاً، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين.
فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: اشتر بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوماً فأتني به فأتاه به.
فشد فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم عوداً بيده، ثم قال له: اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوماً فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً.
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم :هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع
)
)
[ سنن أبي داود (2/120) رقم (1641) وسنن ابن ماجه (2/740) رقم 2198).].
روى الترمذي قصة البيع، ولم يذكر قصة الرجل[سنن الترمذي (3/ص522) وقال: "هذا حديث حسن".].
ولقد أبان رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فضل العاملين المتعاونين على ما ينتفع به المسلمون، فجعل الصانع، ومستعمل المصنوع، ومن يمده به، مشتركين في الأجر، كما في حديث خالد بن زيد الأنصاري، قال: كنت مع عقبة بن عامر الجهني وكان رجلاً يحب الرمي، إذا خرَج خرج بي معه، فدعاني يوماً فأبطأت عليه، فقال: تعال أقول لك ما قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم وما حدثني.. سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: ((إن الله عز و جل يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه المحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله.
وقال: ارموا واركبوا ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، وليس من اللهو إلا ثلاث تأديب الرجل فرسه، وملاعبته امرأته، ورميه بقوسه. وقال: من ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه، فإنها نعمة تركها
)
)
[ مسند الإمام أحمد (4/148) وسنن أبي داود (3/13) رقم (2513) وسنن النسائي (6/222) رقم (3578) والحاكم في المستدرك (2/104) رقم 2467 وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وله شاهد على هذا الاختصار صحيح على شرط مسلم".].
بل إن الرسول صلى الله عليه و سلم أمر الأمة بالاستمرار في العمل النافع، كالزراعة إلى أن يقترب فناء الحياة بقيام الساعة، كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قَال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ((إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فان استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل)) [ مسند الإمام أحمد (3/911) رقم 13004) والفسيلة صغار النخل.].
والمراد بقيام الساعة ظهور علاماتها التي تصيب من رآها بالفزع، وتلهيه عن العمل إشفاقاً من هولها، وليس المراد قيامها حقيقة؛ لأنها إذا قامت لم يبق عمل.
قال الهيثمي: "رواه البزار ورجاله أثبات ثقات وكأنه أراد بقيام الساعة أمارتها، فانه قد ورد: ((إذا سمع أحدكم بالدجال وفي يده فسيلة، فليغرزها فان للناس عيشاً بعد))[ مجمع الزوائد (4/63).].
وقال المناوي: "والحاصل أنه مبالغة في الحث على غرس الأشجار وحفر الأنهار، لتبقى هذه الدار عامرة إلى آخر أمدها المحدود المعدود المعلوم عند خالقها، فكما غرس لك غيرك فانتفعت به، فاغرس لمن يجيء بعدك لينتفع وإن لم يبق من الدنيا إلا صبابة"[ فيض القدير (3/30).].
ويقاس على غرس الفسيلة، أنواع الزراعة كلها، بل كل عمل تُعمر به الأرض وينتفع به الناس.
قال القرطبي رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80)}[25]: "هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب، لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء، فالسببُ سنةُ الله في خلقه، فمن طعن في ذلك فقد طعن في الكتاب والسنة، ونسب من ذكرنا إلى الضعف وعدم المنة. وقد أخبر الله تعالى عن نبيه داود ? أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضاً يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حراثاً، ونوح نجاراً، ولقمان خياطاً، وطالوت دباغاً. وقيل: سقاء؛ فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس، ويدفع بها عن نفسه الضرر والباس..."
ومن أعظم ما يدل على اهتمام الإسلام بالقوة المادية، ما سيأتي في هذا البحث من أمر الله تعالى المسلمين بإعداد العدة التي يرهبون بها أعداءه وأعداءهم في كل عصر من العصور.
السبب التاسع: صبر المسلمين على ما ينزل بهم من المحن والمصائب والعدوان:
والتي يُظَن معها أنهم قد ذابوا واضمحلوا، وأصبحوا في عداد الموتى غير قادرين على النهوض من أجداثهم، كما سيأتي في الفصل الخامس.


1 - يمكن مراجعة كتاب "السياسة الشرعية" لابن تيمية، وكتاب "الأحكام السلطانية" للماوردي، وكتاب "الأحكام السلطانية" لأبي يعلى. وغيرها من الكتب القديمة والحديثة، ويراجع كتابنا "الكفاءة الإدارية في السياسة الشرعية" وكتاب "الشورى".
2 - النساء : 114
3 - النساء
4 - النساء : 128
5 - الحجرات
6 - المائدة : 2
7 - آل عمران
8 - آل عمران : 118
9 - المائدة
10 - الأنعام
11 - الأحزاب
12 - العنكبوت
13 - الحج : 28
14 - المائدة : 2
15 - المائدة : 8
16 - الأعراف : 90
17 - صحيح مسلم (4/2052) رقم (2664)
18 - البخاري صحيح البخاري (2/730) رقم (1968)
19 - سنن أبي داود (2/120) رقم (1641) وسنن ابن ماجه (2/740) رقم 2198).
20 - سنن الترمذي (3/ص522) وقال: "هذا حديث حسن".
21 - مسند الإمام أحمد (4/148) وسنن أبي داود (3/13) رقم (2513) وسنن النسائي (6/222) رقم (3578) والحاكم في المستدرك (2/104) رقم 2467 وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وله شاهد على هذا الاختصار صحيح على شرط مسلم".
22 - مسند الإمام أحمد (3/911) رقم 13004) والفسيلة صغار النخل.
23 - مجمع الزوائد (4/63).
24 - فيض القدير (3/30).
25 - الأنبياء



السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

10248246

عداد الصفحات العام

1564

عداد الصفحات اليومي