{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)} [البقرة]
(012) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة :: (011) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: (010) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة المسلمة وأمنها :: (09) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة المسلمة وأمنها :: (08) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: (07) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: (06) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: الفرق بين المؤمن وغيره في عبادة الله :: (05) أثر التربية الإسلامية في تربية الأسرة وأمنها :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(07) حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب

(07) حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب

تمهيد:

الآية التي دلت على جواز زواج المسلم بالكتابية، لم تفرق بين أن يتزوجها في دار الإسلام أو في دار الحرب.
ولكن دار الحرب تختلف عن دار الإسلام؛ بأن السيطرة في دار الإسلام للمسلمين الذين هم أهل الحل والعقد، يحكمون بشريعة الله التي أنزلها في كتابه وفي سنة رسوله صلّى الله عليه وسلم، وتظهر فيها شعائر الإسلام، واحتمال ميل الزوجة إلى دين زوجها المسلم وارد، كما أن احترامها لآداب الإسلام، وعدم مجاهرتها بما يخالفها أقرب، إرضاءً لزوجها الذي يغيظه مخالفة دينه في الأخلاق وارتكاب المحرمات، وإن تساهل في بعضها مراعاة لمعتقدها الذي تزوجها مع علمه به.

وهذا بخلاف دار الحرب التي تكون الهيمنة والسيطرة فيها للكفار الذين هم أهل الحل والعقد، والحكم فيها إنما يكون بقوانينهم التي تخالف الإسلام، كما أن الشعائر الظاهرة فيها هي شعائر الكفر، وليست شعائر الإسلام، والأخلاق السائدة فيها هي أخلاق الكفار.

ولهذا تكون الزوجة الكتابية في بلاد الحرب، أكثر تمسكاً بدينها وأخلاقها وعاداتها، وأقل ميلاً إلى دين زوجها وأخلاقه، بل إنه ليخشى على زوجها المسلم أن يتأثر بمحيط الكفر الذي يعيش فيه، ويخشى أكثر على ذريته من التدين بدين أمهم التي تربيهم عليه.

ولهذا اختلف العلماء الذين أجازوا زواج المسلم بالكتابية في دار الإسلام، في زواجه بها في دار الحرب.
فقد ذكر القرطبي رحمه الله: أن ابن عباس رضي الله عنهما، سُئل عن نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حرباً؟ فقال: "لا يحل" وتلا قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} إلى قوله تعالى: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة]. قال المتحدث: حدثت بذلك إبراهيم النخعي فأعجبه - يعني أن إبراهيم يقول بالتحريم - وكره مالك - وهو يطلق الكراهة غالباً على التحريم - تزوج الحربيات، لِعِلَّة ترك الولد في دار الحرب، ولتصرفها في الخمر والخنزير. أ ﻫ [الجامع لأحكام القرآن 3/69 ].

فمذهب ابن عباس وإبراهيم النخعي، تحريم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب، ويحتمل أن تكون كراهة الإمام مالك رحمه الله لذلك، كراهة تحريم. وسبب القول بالتحريم؛ أن المسلم مأمور بقتال الكفار المحاربين، وفي زواجه بالحربية في دار الحرب ركون إلى تلك الدار، وداعٍ إلى سكناه بها وبقائه فيها، وذلك يعود إلى معنى قتاله مع إخوانه المسلمين بالنقض، بل إن في بقائه في دار الحرب مع ذريته، تكثيرا لسواد الكفار المحاربين على المسلمين. كما أن امرأته الحربية قد تنشئ أولاده وتربيهم على النصرانية أو اليهودية، وعلى وبغض المسلمين، وغير ذلك من المفاسد المترتبة على زواجه بالحربية في دار الحرب.

أقوال العلماء في حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب:

وقد صرحت كتب المذاهب الفقهية بكراهة الزواج بالكتابية في دار الحرب، إلا أن بعضهم يفسرون الكراهة بكراهة التحريم، وبعضهم يفسرونها بكراهة التنزيه. قال السرخسي رحمه الله: "بلغنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن سُئل عن مناكحة أهل الحرب من أهل الكتاب؟ فكره ذلك، وبه نأخذ، فنقول: يجوز للمسلم أن يتزوج كتابية في دار الحرب، ولكنه يكره؛ لأنه إذا تزوجها ثمة، ربما يختار المقام فيهم وقال صلّى الله عليه وسلم: (أنا بريء من كل مسلم مع مشرك، لا تراءى ناراهما). [رواه أبو داود (3/ 105) ولفظه: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) قالوا: يا رسول الله لِمَ؟ قال: (لا تراءى ناراهما) . قال الترمذي، وأبو داود : وقد رواه جماعة ، ولم يذكروا جريرا . وأخرجه النسائي ، عن إسماعيل ، عن قيسٍ مرسلا ، ولم يذكر جريرا . وذكره الألباني في صحيح النسائي، وقال: صحيح]. ولأن فيه تعريضَ ولده للرق، فربما تحبل فتسبى، فيصير ما في بطنها رقيقاً، وإن كان مسلماً، وإذا ولدت تخلق الولد بأخلاق الكفار، وفيه بعض الفتنة، فيكره لهذا" [المبسوط (5/50) وراجع مجمع الأنهر في شرح مرتقى الأبحر (1/328) وكتاب السير الكبير (5/1838)].

ورجح الفقيه الحنفي محمد أمين المشهور بابن عابدين رحمه الله أن الكراهة هنا كراهة تحريمية، وليست كراهة تنزيه، قال: "وفيه أن إطلاقهم الكراهة في الحربية يفيد أنها تحريمية، والدليل عند المجتهد على أن التعليل يفيد ذلك، ففي الفتح: ويجوز تزوج الكتابيات، والأولى أن لا يفعل… وتكره الكتابية الحربية إجماعاً، لافتتاح باب الفتنة، من إمكان التعليق المستدعي للمقام معها في دار الحرب، وتعريض الولد على التخلق بأخلاق أهل الكفر، وعلى الرق، بأن تسبى وهي حبلى، فيولد رقيقاً، وإن كان مسلماً" [حاشية رد المحتار على الدر المختار (3/45) وصرح الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه الفقه الإسلامي وأدلته (7/145) أن الحنفية يحرمون الزواج بالحربية في دار الحرب]. أ. ﻫ. فقوله: "والأولى ألا يفعل".. يفيد كراهة التنزيه في غير الحربية، وما بعده يفيد كراهة التحريم في الزواج بالحربية في دار الحرب.

وقال في الشرح الصغير ـ في المذهب المالكي ـ: "وتأكد الكره ـ أي الكراهة ـ إن تزوجها بدار الحرب؛ لأن لها قوة بها لم تكن بدار الإسلام، فربما ربت ولده على دينها، ولم تبال باطلاع أبيه على ذلك" [الشرح الصغير (2/420). [المنهاج مع حاشيته (2/187)]. وقال الإمام النووي - الشافعي - رحمه الله: "وتحل كتابية، ولكن تكره حربية، وكذا ذمية على الصحيح"، وقال في الحاشية: "لكن الحربية أشد كراهة منها [المغني (9/292-293)].

وقال الخرقي رحمه الله: "ولا يتزوج في أرض العدو، إلا أن تغلب عليه الشهوة، فيتزوج مسلمة ويعزل عنها، ولا يتزوج منهم، ومن اشترى منهم جارية لم يطأها في الفرج، وهو في أرضهم". وقال ابن قدامة ـ معلقاً على ذلك ـ: "يعني والله أعلم من دخل أرض العدو بأمان، فأما إن كان في جيش المسلمين فمباح له أن يتزوج، وقد رُوي عن سعيد بن أبي هلال أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، زوج أبا بكر أسماء بنت عميس وهم تحت الرايات. أخرجه سعيد؛ لأن الكفار لا يَدَ لهم عليه، فأشبه من في دار الإسلام.
أما الأسير فظاهر كلام أحمد أنه لا يحل له التزوج ما دام أسيراً؛ لأنه منعه من وطء امرأته إذا أسرت معه، مع صحة نكاحهما، وهذا قول الزهري، فإنه قال: لا يحل للأسير أن يتزوج ما دام في أرض المشركين".

وقال ابن القيم رحمه الله: "وإنما الذي نص عليه أحمد، ما رواه ابنه عبد الله، قال: كره أن يتزوج الرجل في دار الحرب، أو يتسرى، من أجل ولده، وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: لا يتزوج ولا يتسرى الأسير، ولا يتسرى بمسلمة، إلا أن يخاف على نفسه، فإذا خاف على نفسه لا يطلب الولد…" [أحكام أهل الذمة (2/420)]. وبهذا يظهر أن مذهب الإمام أحمد، أكثر صراحة في تحريم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب، بل لا يبيح له وطء أمته المسلمة أو امرأته في دار الحرب إلا للضرورة، مع توقي إنجاب الولد. ويلي مذهب الإمام أحمد في الصراحة بالتحريم المذهب الحنفي.







السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13134695

عداد الصفحات العام

217

عداد الصفحات اليومي