{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)} [البقرة]
(012) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة :: (011) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: (010) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة المسلمة وأمنها :: (09) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة المسلمة وأمنها :: (08) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: (07) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: (06) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: الفرق بين المؤمن وغيره في عبادة الله :: (05) أثر التربية الإسلامية في تربية الأسرة وأمنها :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(03) حكم زواج المسلم بالمرأة الكافرة

(03) حكم زواج المسلم بالمرأة الكافرة
تحريم زواج المسلم بالكافرة وتحريم زواج الكافر بالمسلمة:

ومن تلكم الأحكام التي نزلت، تحريم التناكح بين المسلمين والمشركين، فلا يجوز لمسلم أن ينكح مشركة ابتداء، ولا أن يمسكها في عصمته استدامة، كما لا يجوز لمسلمة أن تتزوج كافراً كذلك.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الممتحنة10].

قال القرطبي رحمه الله: "والمراد بالعصمة هنا النكاح، يقول: من كانت له امرأة فقد انقطعت عصمتها… وكان الكفار يتزوجون المسلمات، والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك في هذه الآية" [الجامع لأحكام القرآن (18/65)]. وكان هذا بعد صلح الحديبية. [نفس المرجع (18/61)].

وقال تعالى: {وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة].

وفي هذا التحريم تحقيق لأمرين:

الأمر الأول: المفاصلة بين عباد الله المؤمنين وأعدائهم الكافرين في تكوين نواة الأمة وهي الأسرة؛ لأن النواة الفاسدة تثمر نباتاً فاسداً.
الأمر الثاني: تأكيد الولاء بين المسلمين وتقويته في أساس الأمة، وهي الأسرة.

وقد تواترت نصوص الكتاب والسنة والتطبيق العملي الذي سار عليه السلف الصالح، من عهد الرسول صلّى الله عليه وسلم، وصحابته على هذين الأمرين. وقد اتفق العلماء على تحريم زواج المسلمين من المشركات غير أهل الكتاب، -وهن اليهوديات والنصرانيات- وفي المجوسيات والصابئات خلاف، وحديث: (سنوا بهم- أي المجوس - سنة أهل الكتاب) ضعَّفه العلماء، ومع ضعفه حملوه على أخذ الجزية منهم، لا على نكاح نسائهم. ]يراجع نصب الراية (3/170) وعلى تضعيفه غالب علماء الحديث،].

قال ابن قدامة رحمه الله: "وسائر الكفار غير أهل الكتاب، كمن عبد ما استحسن من الأصنام والأحجار والشجر والحيوان، فلا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم، وذلك لما ذكرنا من الآيتين. [يعني آية الممتحنة وآية البقرة السابقتين]. وعدم المعارض لهما.

وقال ابن كثير رحمه الله - رداً على أبي ثور الذي نقل عنه القول بنكاح نساء المجوس وأكل ذبائحهم - عند تفسير آية المائدة: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ..}: "قال عنه الإمام أحمد: أبو ثور كاسمه - يعني في هذه المسألة - وكأنه تمسك بعموم حديث رُوي مرسلاً عن النبي صلّى الله عليه وسلم، أنه قال: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) ولكن لم يثبت بهذا اللفظ وإنما الذي في صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، "أخذ الجزية من مجوس هجر".

ولو سلم صحة هذا الحديث فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} فدل بمفهومه مفهوم المخالفة على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل". اﻫ. والمرتدة يحرم نكاحها على أي دين كانت؛ لأنه لم يثبت لها حكم أهل الدين الذي انتقلت إليه في إقرارها عليه، ففي حلها أولى" [المغني (7/121)].

وإذا خرجت الكتابية عن دينها إلى عبادة الأوثان، صار حكمها حكم الوثنية، لا يجوز نكاحها للمسلم، وإن ادعت أنها من أهل الكتاب، وكذلك إذا ألحدت، فأنكرت الدين مطلقاً، كما هو حال الشيوعيين في هذا العصر. وقال الخرقي رحمه الله: "وإذا تزوج كتابية، فانتقلت إلى دين آخر من الكفر غير دين أهل الكتاب، أجبرت على الإسلام، فإن لم تسلم حتى انقضت عدتها انفسخ نكاحها". [نفس المرجع (7/122)]. وإذا لم يجز استدامة نكاحها، فابتداؤه أولى بعدم الجواز.

وينبغي أن يعلم أن المسلمة لا يجوز - ولا يصح - أن ينكحها كافر مطلقاً، سواء كان كتابياً أو غير كتابي، وعلى ذلك إجماع العلماء في قديم الزمان وحديثه، وبهذا يعلم شناعة ما نقل من فتوى عن بعض من يدعي الاجتهاد في هذا العصر، من جواز بقاء امرأة مسلمة تزوجت جهلاً بنصراني، بدعوى أن الضرورة اقتضت تلك الفتوى! نعم يبقى عقد نكاحهما مستمراً إلى أن تنقضي عدتها كما سيأتي في قول بعض العلماء.

ولكن الأعجب من هذه الفتوى ما نُسب إلى هذا المفتي نفسه تجاوز فتواه السابقة إلى القول بـ"جواز زواج المرأة المسلمة من الرجل الكتابي مسيحياً كان أو يهودياً ابتداءً، ووصف القول بحرمة ذلك بأنه مجرد أقاويل وتخرُّصات وأوهام وتضليل، وأن منع زواج المرأة المسلمة من غير المسلم، ليس من الشرع في شيء، والإسلام لم يحرمه ولا توجد آية أو حديث يحرم زواج المسلمة من الكتابي مطلقاً!!!".

وعندما أحس بخطورة هذا النفي الذي تدحضه الآيات الصريحة التي تحرم نكاح المسلمة من الكافر مطلقاً، استدرك قائلاً: "إن الحرمة التي كانت موجودة، كانت مرتبطة بالحرب والقتال بين المسلمين وغيرهم وتزول بزوال السبب!!!" وهي دعوى تدل على جرأة واستخفاف بإجماع الأمة من عهد الرسول صلّى الله عليه وسلم، إلى الآن.

ومن القواعد التي اتفق عليها العلماء؛ أن النص الثابت في القرآن والسنة يجب العمل به بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلم، كما كان يعمل به في عهده، ما لم يرد نص مماثل آخر بنسخ النص السابق في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ولم يوجد نص ناسخ لحرمة زواج المسلمة من الكافر.
ودعوى أن تلك الحرمة كان سببها الحرب الدائرة بين المسلمين والمشركين، وقد زالت تلك الحرب، وبناء على زوال السبب وهو الحرب تزول حرمة زواج المسلمة من الكتابي المحارب، دعوى زائفة لأمرين:
الأمر الأول: أنه لا دليل مطلقاً على أن الحرمة كان سببها الحرب.
الأمر الثاني: دعوى أن الآيات حرمت زواج المسلمات من المشركين، لا على أهل الكتاب؛ لأن أهل الكتاب غير مشركين، هي دعوى تخالف ما أثبت الله في كتابه بأن أهل الكتاب مشركون؛ لأنهم لا يعبدون الله تعالى وحده، بل يعبدون بعض مخلوقاته مدعين أنهم يعبدون الله، فالنصارى يعبدون من يزعمون أنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة وهو عيسى ، واليهود يقولون: إن عزيراً ابن الله وأجدادهم عبدوا العجل الذي صنعه السامري، وتأمل الآيات الآتية الظاهرة في أن أهل الكتاب يهوداً أو نصارى هم مشركون:
{وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}( ).
فقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله تعالى ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾: في سياق ما ذكره الله تعالى عن اليهود والنصارى، دليل واضح أن اليهود والنصارى جميعاً هم من المشركين، وإن سموا في آيات أخرى أهل كتاب، باعتبار أنهم كان لهم كتاب سماوي قبل أن يحرفوه.
وإنما خصهم الله تعالى ببعض الأحكام التي تخالف الوثنيين من العرب، مثل حل طعام أهل الكتاب، ونكاح نسائهم للمسلمين، لما في ذلك من تذكير اليهود والنصارى بأن المسلمين يحترمونهم؛ لأصل الكتاب الذي كانوا يؤمنون به قبل تحريفه، وذلك يدعوهم إلى التفكير في احترام الإسلام والمسلمين واحترام القرآن الكريم، مقابل احترام المسلمين لكتابهم، وتخصيص أهل الكتاب بهذه الأحكام، لا ينافي شركهم الذي ذُكر واضحاً في الآيات السابقة.
قال شيخنا العلامة المفسر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "أهل الكتاب داخلون في اسم المشركين، كما صرح به تعالىٰ في قوله: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوٰهِهِمْ يُضَـٰهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ}( ).





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13134596

عداد الصفحات العام

118

عداد الصفحات اليومي