﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَیَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَیُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِینَهُمُ ٱلَّذِی ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنࣰاۚ یَعۡبُدُونَنِی لَا یُشۡرِكُونَ بِی شَیۡـࣰٔاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ﴾ [النور ٥٥]
(029)سافر معي في المشارق والمغارب :: (02)الدعوة إلى الإسلام في أوربا :: (02)ما المخرج :: (01) الدعوة إلى الإسلام في أوربا :: (01)ما المخرج؟ :: (028)سافر معي في المشارق والمغارب :: (027)سافر معي في المشارق والمغارب :: (026)أثر فقه عظمة الله في الخشوع له-الحلقة الأخيرة :: (025)أثر فقه عظمة الله في الخشوع له :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(018) خاتمة كتاب أثر التربية اٌسلامية في أمن المجتمع الإسلامي تلخيص

(018) خاتمة كتاب أثر التربية اٌسلامية في أمن المجتمع الإسلامي تلخيص

تربية الفرد:

(1) إن تربية الفرد على العلم النافع، وهو الهدى الذي أنزله الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، لتسعد به البشرية في الدنيا والآخرة، العلم الذي أنزله خالق الإنسان لهداية الإنسان، وجعله منهجاً له شاملاً لحياته كلها، وبعث به رسولاً هو أفضل الرسل وخاتم الأنبياء، وجعله قدوة حسنة يعلم الناس وحي ربه، ويهديهم برسالته، ويزكيهم بدينه.

إن التربية بهذا العلم كفيلة بجعل الإنسان ذي الفطرة السليمة، يستقيم على صراط الله، ينفع نفسه وينفع الناس ولا يضرهم. إن الفرد الذي ينشأ على معرفة الله تعالى الذي خلقه وخلق الكون كله، بأنه الإله الحق الذي يستحق العبادة والطاعة المطلقة، فيلتزم بتلك الطاعة، ويجتنب معصية الله، إن المجتمع الذي يُنشَّأْ أفراده هذه التنشئة؛ جدير أن يحقق في أرض الله الخلافة التي أرادها الله منه، فيسعد بها نفسه، ويسعد غيره، وينجو بها من الشقاء وينجو معه غيره.

إن الذي يوقن بأن علم الله محيط بكل شيء، محاسب على كل صغيرة وكبيرة لا تخفى عليه خافية، ولا يعجزه شيء، لكمال علمه وقدرته، الذي يوقن بذلك حق اليقين لا بد أن يجتهد أن لا يراه ربه مرتكباً ما يسخطه من المعاصي والإضرار بالناس، ولا تاركاً أمراً يرضيه من الخير ونفع العباد.

وأنه يستطيع أن يحتال على كل المخلوقين ويفلت من أن يطلعوا عليه أو يعاقبوه، ولكنه لا يقدر على الاحتيال على الله والإفلات من علمه وعقابه؛ لأن البشر لا يعلمون ما غاب عنهم ولا يقدرون على كل شيء؛ لأن علمهم وقدرتهم محدودان، أما الله تعالى فإنه علمه محيط بكل شيء، وهو على كل شيء قدير.
والذي يعلم أنه إذا لم يفضحه ويجازيه على عمله الشائن في هذه الدنيا، سيفضحه ويجازيه عليه في الآخرة أمام الأشهاد، وأنه لا يفوت من عمله شيء ولو كان مثقال ذرة؛ لأن كل عمله مكتوب مسجل عليه وسيأخذ كتابه - إن عمل صالحاً - بيمينه، ويأخذه - إن عمل سيئاً - بشماله.

إن الذي يعلم ذلك، ويعلم أن جزاء المحسن الجنة، وجزاء المسيء النار، لا يتأخر عن العمل الصالح ولا يقدم على عمل الشر، والذي يعلم ما أراد الله منه من الخير الذي يفعله، والشر الذي يتركه مفصلاً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، جدير بالإقدام على كل خير مستطاع وترك كل شر.
الذي يعلم أن هذا الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما بعث رحمة للناس، يهديهم ويزكيهم بما جاءه من عند ربه، وأن محبته مقدمة على محبة النفس والأهل والمال والولد، وأن تحقيق محبته إنما تتم بطاعته وطاعة ربه، إن الذي يعلم ذلك لخليق بأن يكون محباً للعلم النافع والعمل الصالح، مهتدياً بكتاب الله وسنة رسوله مبتعداً عما خالف ذلك.

والذي يعلم أن الله تعالى قد أرصد له مراقِبَين لا يغيبان عنه، مكنهما تعالى من معرفة كل ما يفعله أو يقوله، ويكتبانه وهو لا يدري عنهما ولا يراهما، وكل شيء يكتبانه محسوب عليه أو له، إن الذي يعلم ذلك ليستحي أن يفعل منكراً أو يترك معروفاً. فإذا علم أن آخرين من الملائكة يتولون قبض روحه عند موته، إما ملائكة الرحمة إن كان محسناً، وإما ملائكة العذاب إن كان مسيئاً، وأن ملكين يسألانه في قبره عما عمل في الدنيا، فإن كان محسناً رأى منهما ما يسره، وإن كان مسيئاً رأى ما يسوءه، وأن طائفة أخرى منهم يستقبلونه بالبشرى والسرور ليدخل الجنة إن كان محسناً، وطائفة تستقبله بالتأنيب والتقريع إن كان مسيئاً، ليدخل النار، إن الذي يعلم ذلك لقمين أن يكثر من طاعة الله ويبتعد عن معاصيه، ويسعى في نفع الناس وترك ما يضرهم.

وإن الذي يعلم أن الله تعالى هو واهب الحياة والرزق اللذين لا يقدر أحد على نقص شيء منهما أو زيادة شيء فيهما، لَيعيش مطمئناً في حياته راضي النفس، سعيداً بما قسم الله له، بعيداً عن منافسة الناس في أرزاقهم وحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، أو الاعتداء على شيء من مصالحهم.

وتظهر ثمرة العلم النافع والعمل الصالح في سرعة الاستجابة لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، في كل نشاط يقوم به الإنسان، بخلاف من لم ينل هذا العلم الرباني والعمل به. فإن الناس كلهم لو اجتمعوا على إنسان لم يقدروا على جعل الإنسان يستجيب لقوانين البشر، إلا إذا علم أن منفذ القانون مطلع عليه قادر على عقابه، ومن الذي يقدر أن يكشف كل معصية يعاقب عليها القانون، إن كانت معصية؟ وإذا اطلع أحد فمن الذي عنده القدرة التامة على إمساكه ومجازاته في كل لحظة من لحظات حياته؟ من يقدر على الكشف الكامل والعقاب غير الخالق؟

وتظهر ثمرة العلم النافع والعمل الصالح في سرعة رجوع العاصي إلى ربه وتوبته من ذنبه عندما تغلبه بشريته، وهو غير معصوم. وتظهر ثمرة ذلك في اعتراف المذنب بذنبه طمعاً في المغفرة وخوفاً من العقاب، وهو ما يعانيه العالَم الآن من صعوبة إثبات الجريمة على المجرم في كثير من الجرائم، وهو بين ظهرانيهم. وثمرات العلم النافع يصعب إحصاؤها، ولكنها تحقق في الفرد العالم العامل سعيه الحثيث إلى عمل كل ما يرضي الله ويجتنب كل ما يسخطه، وهذا هو الأمن الذي ينشده العالم.
تربية لأسرة:

(2) إن تكوين الأسرة الصالحة، وهي تبدأ باختيار الزوج الصالح والمرأة الصالحة، وعلم كل فرد من أفراد الأسرة بما له من حقوق، فلا يطلب أكثر منها، وما عليه من واجبات لغيره فيؤديها. الزوج يؤدي حقوق المرأة، والمرأة تؤدي حقوق الزوج، والابن يؤدي حقوق الوالدين، والوالدان يقومان بحقوق الأولاد، وكل فرد يقوم بحق الآخر، وكل منهم يعتبر أداء حقوق الآخرين عبادة لله وطاعة له، فإذا قصر أحد منهم في حقوق غيره قومه الآخرون من أفراد الأسرة وحملوه على أداء ما لزمه، فإذا لم يقدروا تولى ذلك الحاكم بمقتضى شرع الله. إن الأسرة التي هذا شانها، لجديرة أن تخرج للمجتمع أفرادا صالحين آمنين مؤتمنين، يسهمون في بناء مجتمع فاضل متعاون متراحم، يسوده العدل والحق والخير.

(3) تربية المجتمع:

وإن تربية المجتمع على أن يحب بعضُ أفراده بعضاً في الله سبحانه لا لغرض مادي، من مال أو جاه أو منصب، ويصل بعضهم بعضاً من أجل الله تعالى، ويقوم كل واحد بحقوق إخوانه التي تحقق الأخوة الإسلامية، من صنع طعام ودعوة إليه، وإجابة دعوة، وإعانة محتاج وضعيف، وإفشاء سلام، وطلاقة وجه، وطيب كلمة، وتواضع، وقبول حق، وعفو وصفح، وسماحة ودفع سيئة بحسنة، وإيثار وبُعدٍ عن شح، وحسن ظن بدلاً من سوئه، ونصر مظلوم، وستر سيئة، وتعليم جاهل ورفق في معاملته، وإحسان إلى جار، وحب للطاعات وبغض للفواحش والمعاصي، وأداء كل فرد ما يجب عليه أداؤه بدون مماطلة، ونصح كل مسلم لكل مسلم. إن تربية المجتمع على هذه المعاني، لخليقة بتحقيق الأخوة الإسلامية التي تجعله مترابطاً متراصاً متعاوناً آمناً سعيداً.

فإذا أضيف إلى ذلك تربية هذا المجتمع على البعد عن كل ما يوهي أواصر الأخوة الإسلامية ويكدر صفوها، من ظلم وحسد، واحتقار، وسخرية، وغيبة، ونميمة، وهجر وقطيعة، وترك ما يثير الشك والظنون السيئة، أو يؤدي إلى ضرر الآخرين، كالإشارة بالسلاح، وإظهاره في مجتمعات الناس غير محفوظ، وكتناجي اثنين دون الثالث، وترك منافسة المسلم أخاه المسلم على حطام الدنيا، وبخاصة ما شَرَع فيه من المباحات، كالبيع والشراء والخطبة، وترك الغش والكذب والخيانة ونحو ذلك. إن تربية المجتمع على الابتعاد عن هذه الأمور وغيرها مما يضعف الأخوة الإسلامية، لحقيق بنشر الأمن والسلام والسعادة والاطمئنان في المجتمع الذي تحققت فيه أسباب المحبة، وانتفت عنه أسباب البغضاء.

(4) وإن مجتمعاً يتحقق فيه الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، الولاء الذي من أهم مظاهره: حب الله ورسوله والمؤمنين، وتقديم ما يحبه الله ورسوله على ما يحبه غير الله ورسوله، ومن مظاهره تحقيق كل معاني الأخوة الإسلامية، ومنع ما يناقضها كما مضى، ومن مظاهره القيام بقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليستقيم المجتمع على الجادة ويسلك الصراط المستقيم.

إن تحقق هذا الولاء ليجعل المجتمع في غاية من التماسك والترابط والاستقامة والنظام والتعاون على كل ما فيه مصالحه ومنافعه، فإذا أضيف إليه البراءة من أعداء الله الكافرين، وعلى رأسهم إبليس لعنه الله، فلا يطاع هو وأتباعه، ولا يساكنون، لغير ضرورة، بل يهجرون ويعادون على عدوانهم وحربهم لله ولرسوله وللمؤمنين، ولا يظاهرون على المسلمين بأي وسيلة من الوسائل، بل يحذر منهم غاية الحذر، ويعلن المجتمع كله براءته منهم ومن دينهم وعداوتهم عليه، ولا يتشبه بهم المسلمون في شيء مما هو من خصائص دينهم، أو عاداتهم حباً لها ولهم، ويقوم المسلمون بجهادهم في سبيل الله بالدعوة إلى الله، ثم بالقتال لمن وقف في طريق دعوة الله، والإباء من الدخول في الإسلام أو دفع الجزية وهم صاغرون.

إن المجتمع الذي يربى على الولاء والبراء في الإسلام، لجدير بالسعادة والأمن من أن يخدع بعضَ أفراده أعداؤهم لارتكاب ما يضر مجتمعهم، ومن باب أولى أمنه من أن يعتدي عليه أعداؤه لتحصنه منهم وتماسك أفراده ضدهم. فإذا ما ربي هذا المجتمع على الاعتزاز بالله والشهامة، والتطلع إلى قيادة البشر إلى الله وإقامة دينه فيهم فقد اكتملت سعادته واستتب أمنه.

(5) وبعد: فإن البشرية اليوم تعاني من ويلات الفتن والحروب والغش والخيانة، والظلم والجبروت والطغيان، والجرائم المختلفة، وانتشار الفواحش والمعاصي، وتخلخل الأسر وتفككها، واضطراب الحياة البشرية في أنحاء الأرض كلها. وارتفعت أصوات المصلحين والمفكرين من جميع الفئات: الدينية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والعسكرية تنادي بوجوب تدارك الحياة البشرية، وتغيير النظرة إلى الإنسان والحياة عما هي عليه، وإيجاد أسس جديدة تنقذ البشرية مما نزل بها من كوارث ومحن، جعلها تعض على أصابعها ندماً، وهي تتوقع المزيد من البلاء الذي جعلها في غاية الرعب والخوف والقلق.

وأدلى كل مفكر وكل مُتَصَدٍّ للإصلاح بدلوه في هذا السبيل في حدود علمه، واختصاصه وخبرته، فكتب الكتاب، وقنن المقننون، وائتمر السياسيون، وخطط العسكريون، ووضع النظريات الاجتماعيون والاقتصاديون على غير هدى من الله. ولكنهم كلهم باءوا بالفشل الذريع، ولم يقتربوا من شاطئ الأمان، ليرفعوا عليه الراية تهتف لمن كادوا في أمواج بحار الفتن يغرقون.

ولا زالت الويلات تزداد، والكوارث تتفاقم على الأسر والمجتمع والدول الأفراد ، وزادت الجرائم وتفاقم أمرها، وأصبح الناس -كلهم إلا من شاء الله - لا يأمنون على ضرورات حياتهم. ولا سبيل والله إلى سعادتهم وأمنهم وعزهم، إلا أن يعودوا إلى هذا الدين، فيتعرفوا على قواعده وأسسه، ومصدريه الأساسيين: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما يخدمهما من العلوم الإسلامية والكونية، ويطبقوا شريعة الله التي استنبطها علماء الإسلام من نصوص الكتاب والسنة. وهي منهج كامل شامل لحياة الفرد والأسرة والمجتمع، لا تدع شاردة ولا واردة يحتاج إليها البشر لتنظيم حياتهم الدينية والدنيوية، إلا وجدوا فيها ما ينظمها ويبين حكمها وفائدتها أو مضرتها.

وإذا كانت البشرية من غير المسلمين تتخبط في تيه الضلال، ولم تتجه بجملتها - وإن اتجه بعض مفكريها - إلى هذا الدين، لتجعله منهاجاً لحياتها، لينقذها من خسارتها ووبال أمرها الذي ذاقته، لبعدها عنه، وعدم اقتناعها به وأنه المنقذ الوحيد من الهلاك، إذا كانت هذه البشرية لم تتجه لهذا الدين لإنقاذ نفسها به، فإن المسلمين يتحملون قسطاً كبيراً من الإثم الذي تستحقه؛ لأن المسلمين أقدر على فهم هذا الدين وقواعده وتشريعاته، وعلى إبراز محاسنه نظرياً وعملياً، حتى يكونوا قدوة حسنة، يرى الناس الإسلام متمثلاً في سلوكهم عندما يطبقونه في حياتهم كلها.

وعندئذ يبصر الأعمى، ويعقل المجنون، وينطق الأبكم وينجو الغريق، ويتجه غالب الناس إلى هذا الدين، ليهتدوا بهديه مقتدين بأهله مؤتمين بهم، كما حصل ذلك في سابق العهد، عندما انتشر عدد قليل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الأرض، يدعون الناس إلى هذا الدين، وكانت أعمالُهم، تشرح أقوالَهم، فلم يجد الناس بُدَّاً من الإسراع إلى الاستجابة له والسير في ركاب أهله، فدخلوا في دين الله أفواجاً.

أما اليوم، فإن علماء المسلمين ومفكريهم، يكتبون للناس عن محاسن الإسلام وجماله وثمار تطبيقه، فيقرأ الناس ما يكتبون، وينظرون إلى حياة المسلمين فيجدون العمل غير القول، والتطبيق غير الدعوى، فيظنون أن ذلك من نسج الخيال وأساطير الأولين!، ومن المثل العليا التي يحلم بوجودها الفلاسفة الذين يفكرون في مصالح الناس، وهم بين جدران بيوتهم الأربعة قابعون، لا يعلمون أحوال الناس ولا إمكاناتهم واستعدادهم، وإنما يتخيلون مثلاً عليا في عقولهم فينشرونها بين الناس. وليس في مقدور كثير من الناس - وإن كان في مقدور بعضهم - أن يتصوروا إمكان تطبيق هذا الدين، لعدم وجود الدليل العملي على ذلك، وقد ألِفَ كثير من غير المسلمين، ألا يؤمنوا إلا بما أقنعتهم بصحته "المختبرات" لإيغالهم في الالتفات إلى المادة، وبعدهم عن عالم الغيب.

لأن المسلمين يدعون أن هذا الدين يجمع الكلمة؛ وهم متفرقون..! وأن في هذا الدين عدلاً؛ وهم لبعضهم بعضاً يظلمون.! وأن في هذا الدين أمناً؛ وهم يقتل بعضهم بعضاً، و على بعضهم بعض يثورن.!
وأن في هذا الدين محبة وأخوة صادقة؛ وهم لبعضهم بعضا مبغضون. وأن في هذا الدين إيثاراً؛ وهم على الشح والأثرة سائرون..! وأن في هذا الدين مواساة للفقراء؛ وكثير من أغنيائهم لزكاة أموالهم مانعون..!
وأنه لا حكم إلا لله؛ وهم بقوانين الكفر يَحكمون ويُحكمون..! وأن في هذا الدين صدقاً ووفاء وأمانة؛ وهم يكذبون ويغدرون ويخونون..!

فكيف يصدق الناس بأن هذا الدين هو المنقذ للبشرية من الهلاك، وأهلُه على شفا جرف هار واقفون؟!.
وإذا احتج محتج بأن هذا الدين قد طبق في فترة من الفترات، أكمل تطبيق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين طبقوه هم أصحابه y وهم بشر، وليسوا ملائكة، وتبعهم على ذلك أهل القرون المفضلة. أجاب أعداء هذا الدين أن تلك فترة نادرة في حياة البشر، ولماذا لا يطبقه المسلمون الآن إن كان ممكن التطبيق؟

ولقد حمل المسلمون إثم عدم الجواب على هذا السؤال، وهو جواب ليس باللسان الذي كثيرا ما نطق، و لا بالقلم الذي كثيرا ما كتب، و لا بالأماني التي كثيرا ما أمَّلت، فقد مل الناس الأماني، ولكن بالعمل والتطبيق، فليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن "ما وقر في القلب وصدقه العمل". كما قال الإمام حسن البصري رحمه الله. لقد حمل المسلمون إثم عدم هذا الجواب، كل منهم بحسب ما فوَّت من هذا الدين وهو قادر على عدم تفويته.

ويتحمل أهل الحل والعقد في بلدان المسلمين أكبر قسط من هذا الإثم، بسبب عدم إقامتهم هذا الدين وتطبيقه في واقع الحياة؛ لأنهم هم الذين يقدرون على إقامة هذا الدين، وقد أقصوه عن حياة الناس، وحالوا بين رعاياهم وبين التمتع بأحكامه.

هذا، وإن الإنصاف ليقتضي أن نقول: إن المسلمين على الرغم من بُعد أغلبهم كثيراً عن دين الله، فإنهم مع ذلك أسعد الناس نسبياً بسبب ما بقي عندهم من إيمان، ومن تطبيق بعض الشعائر التعبدية وتنفيذ بعض الأحكام الشرعية التي يتاح لهم تنفيذها، ومن وجود بعض الآداب والأخلاق التي ما زالت متوارثة في أجيال المسلمين، وان كان كثير منها أصبح عادة لا يربطها أهلها بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وكلما كان فرد أو أسرة أو شعب أو دولة أكثر تطبيقاً لشيء من شريعة الله، كان أكثر سعادة وأمنا من غيره، والذي يقارن بين بعض الشعوب الإسلامية، يرى ذلك واضحاً.. {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)} [الأنعام]. {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ(41)} [الحج].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

10473409

عداد الصفحات العام

755

عداد الصفحات اليومي