﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَیَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَیُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِینَهُمُ ٱلَّذِی ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنࣰاۚ یَعۡبُدُونَنِی لَا یُشۡرِكُونَ بِی شَیۡـࣰٔاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ﴾ [النور ٥٥]
(029)سافر معي في المشارق والمغارب :: (02)الدعوة إلى الإسلام في أوربا :: (02)ما المخرج :: (01) الدعوة إلى الإسلام في أوربا :: (01)ما المخرج؟ :: (028)سافر معي في المشارق والمغارب :: (027)سافر معي في المشارق والمغارب :: (026)أثر فقه عظمة الله في الخشوع له-الحلقة الأخيرة :: (025)أثر فقه عظمة الله في الخشوع له :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(029)سافر معي في المشارق والمغارب الحلقة الرابعة من الحوار مع المستشرق الهولندي

(029)سافر معي في المشارق والمغارب الحلقة الرابعة من الحوار مع المستشرق الهولندي
كررت السؤال للدكتور فان لطول الحوار معه، مرة أخرى: هل عندك استعداد لمزيد من الحوار؟

قال: نعم. كنت ذكرت أن الحوار سيكون في ثلاث حلقات، ولكنه أصبح اربعا

قلت: لنكمل الحوار حول الحرية.

قال: هل توجد حرية في مجتمع يسيطر عليه الإسلام؟ قلت: الأصل أن لا توجد الحرية الصحيحة في غير الإسلام، أتدري لماذا؟ قال: قد قلت: إن هولندا بها حرية كاملة! قلت: حرية في الجملة. قال: هل هذه الحرية في الجملة ستكون موجودة في العالم الإسلامي؟

قلت: ستكون الحرية في العالم الإسلامي أحسن من أي حرية أخرى وهي في حدود الإسلام. قال: هذه الحرية ستختلف عما هو موجود في أوروبا، لأن الحرية في أوروبا مبنية على نظام فصل الدين عن الدولة.

قلت: إن سبب فصل الدين عن الدولة في أوروبا معقول، لأن الدين الذي كان موجوداً يزعم أهله أنه من عند الله وهو يجبر الناس على قبوله غرافات ويلغون أفكارهم العقلية، وكانوا يقفون ضد العلم والحقائق العلمية ويقولون: إنها تخالف الدين الذي جاء من عند الله، ويحرمون على الناس ما لم يحرمه الله، وليس في ذلك الدين نظام يمكنه أن يسير حياة البشر تسييراً سعيداً، فكان لأهل أوروبا الحق في الخروج على هذا الدين، ولكن دين الإسلام ليس كذلك، بل إن دين الإسلام يلائم العقل والفطرة، وهو يدعو إلى الاعتبار واستعمال العقل، ولا يمكن أن يتعارض مع أي حقيقة علمية.

وكان الواجب على أهل أوروبا أن يبحثوا في هذا الدين -دين الإسلام الذي استفادوا من أهله علوم الطبيعة-فسيجدونه ديناً صحيحاً يسعدون به، ولكنهم فعلوا كما يفعل شخص احترق بيته، فذهب هائما في الصحراء وأبى أن يسكن البيوت، خشية من أن تحترق كلها كما احترق بيته الأول، أي إن الأوربي عندما اضطر أن يفصل ديناً غير قادر أن يكون منهج حياة، بل يعارض مصالحه التي يراها توافق العقل وتجلب له الخير، اضطر أن يفصل هذا الدين عن السياسة، وظن أن كل دين يجب فصله عن السياسة، ولو كان دينا آتياً فعلاً من عند الله وعنده منهج للبشر يوجه نشاطهم كله إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.

قال: لا تظن من فصل الدين عن الدولة في أوروبا أن الكنيسة لا تأثير لها في حياة الناس، بل لها تأثير كبير، هناك أحزاب دينية والحزب المسيحي في هولندا هو أكبر الأحزاب فيها. قلت: ولكنه علماني، وليس عنده إلا الاسم والأسلوب الذي يحكم به في هولندا يحكم به أي حزب غيره. قال: لا يمكن أن نقول بسهولة، إنه يوجد فصل تام بين الدين والدولة في أوروبا، فهناك مجالات يمنع الدين من التدخل فيها، وهناك مجالات يمكن للدين أن يكون فيها. مثلاً: المدارس مفتوحة لتدريس الدين، المدارس الأولية والثانوية وحتى الجامعات.

قلت له: لم تفهم ماذا أريد إلى الآن، أنا أقول احترق بيت أوروبا فحرمت على نفسها أن تسكن في بيتٍ غيره، فصلت دينها عن دولتها بسبب عدم قدرته على منحها منهجاً لحياتها يتناسب مع مصالحها، وبسبب معارضته للعقل، وظنت أن كل الأديان كذلك فعممت الحكم على الإسلام، فلا سمع ولا طاعة في الحكم لأي دين آخر، أليس كذلك؟ قال: بلى.

قلت: وهل توجد حرية في دين يجبر عقول أهله على إلغاء عقولهم عن التفكير في مصالحهم التي تنفعهم في دنياهم، ويحرق من شذ منهم واكتشف شيئا من علوم الكون التي سخرها الله للإنسان، مثل كروية الأرض، ونحوها؟ ولولا خروجكم على تعاليم الكنيسة ولجوؤكم إلى علماء المسلمين في الأندلس، وما رأيتموه عندهم في حربكم الصليبية عليهم، لكنتم اليوم في أحط حياتكم المادية.

قلت: أما بالنسبة لديننا، فإنه يدعونا إلى التفكير بالعقل، ويدعونا إلى التقدم العلمي، ويدعونا إلى المناقشات الحرة، ويدعونا إلى كل شيء فيه صلاح ديننا ودنيانا. قال: لا، لا. قلت: أنا إذا قلت ديننا فأريد به القرآن والسنة، فلا تخلط بين المنهج وبين ما يفعله بعض المنتسبين إلى الإسلام.

قال: دينكم يقدم العلم إلى حد ما، لو عمل العلم بنوع ضد الدين فهذا ممنوع. قلت له: لا يستطيع العلم أن يثبت حقيقة علمية واحدة ثابتة تخالف الدين سواء كانت تتعلق بالطب أو الكون، لكن عند المسيحيين تخالف كثير من حقائق العلم ما جاء في الكتب المحرفة.

قال: وما رأيك في علم الاستشراق؟ قلت: العلوم الإنسانية أمر آخر، يحصل فيها خلاف حتى بين المسلمين، وأنا أتكلم عن الحقائق العلمية التجريبية أو الحسية المشاهدة. قال: حتى علوم الطب، مثل إسقاط الجنين. قلت: هذه ليست حقيقة علمية، بل هو حدث يحتاج إلى حكم بالإباحة أو المنع.

قال: ولكن مجال العلم أوسع. قلت: الإسلام أوسع. قال: أما أنا فأحب هذه الحرية التي أعيش تحتها ولا أريد أن أفقدها، ويبدو لي أنه لا يمكن أن توجد هذه الحرية في مجتمع إسلامي تسيطر عليه الشريعة الإسلامية.

قلت: هل تعني الحرية الموجودة عندكم بكل ما فيها؟ قال: نعم. قلت: صحيح إذا طبقت الشريعة الإسلامية، سوف لا توجد هذه الحرية لأنها -بكل ما فيها - تعتبر فوضى وخروجاً على دين الله، ولا يمكن أن يقرها الإسلام، ولكن عندي سؤال عن معنى الحرية ما هي؟

قال: حرية الإنسان، أولاً الحقوق الإنسانية، وأول حق إنساني هو حرية الضمير، وهذا يدل أن لكل إنسان حرية دينية وأخلاقية وفلسفية! قلت: أخلاقية أيضاً؟ قال: إلى حد ما، طالما عاش في بيته أو في مجتمعه، فله حرية الضمير، سواء كان نصرانياً أو يهودياً أو مسلماً أو ملحداً، يعتقد ما يريد، هل توجد هذه الحرية في ذلك المجتمع الإسلامي؟ قلت: الجزء الذي يحقق الحياة السعيدة للإنسان موجود. قال: هل يمكن في هذا المجتمع أن يتكلم الناس بكل حرية ينتقدون الرئيس؟ قلت: نعم تنتقد الرعية ولي أمرها في الإسلام، سواء كان المنتقد فرداً: رجلاً، أو امرأة، أو جماعة، وعندنا في الإسلام باب كبير يسمى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدين النصيحة.

قال: هذا ليس عملياً الآن. قلت: نعم لأن الشريعة لم تطبق، وقلت لك يجب أن تفصل بين تصرف سيئ من بعض المسلمين وبين منهج الإسلام. قال: الأوربي ينظر إلى العالم الإسلامي من الناحية العملية، فهو لا يدرس الكتب القديمة، إنما يرى الحقيقة.

قلت: قل الواقع. قال: الواقع. قلت: أنت تدرس الحقيقة. قال: الكتب القديمة جزء من الواقع. قلت: حقيقة الإسلام قد يوافقها الواقع وقد يخالفها، ويبقى الإسلام هو الحقيقة سواء طابقه الواقع أو لا. قلت: أنا أفهم أن الحرية الصحيحة أن لا يكون الإنسان عبداً إلا لله فقط، ولا يكون حراً من ترك العبودية لله. قال: هذا رأيكم. قلت: نعم، هذا رأيي. قال: هناك آخرون لهم آراء. قلت: نعم، بعضهم يرى أن من الحرية شرب الخمر والزنا وزواج المثليين، وعمل ما يريد في الحياة.

قال: لا، لا، نحن نتحدث في الحقوق الإنسانية، وقلت لك: أول حق إنساني هو حق حرية الضمير.
قلت: تعني حرية الدين؟ قال: هل يمكن في مجتمعكم في المستقبل حرية المعتقدين بالبوذية؟ قلت: وجد في عهد الصحابة. قال: نعم في عهد الرسول [صلى الله عليه وسلم] ولكن الآن وفي المستقبل؟

قلت: إذا طبق الإسلام بمعناه الحقيقي، سيكون أهل الأديان يعبدون حسب دينهم الذي يقرهم عليه المسلمون. وكثير من العلماء يرى أن الجزية تؤخذ من غير أهل الكتاب، كما تؤخذ منهم أما قرأت عن الجزية؟ قال: ليس للمسلمين الحق في أخذ الجزية. قلت: المسلمون يأخذون الزكاة من المسلمين ويلزمونهم بالجهاد في سبيل الله حسب الحاجة، ويأخذون الجزية من غير المسلمين ولا يلزمونهم بالقتال في صفوفهم.

قال: الآن لا يأخذون الزكاة و لا الجزية. قلت: نعم، لأن الإسلام غير مطبق إلا في بعض البلدان مع تقصير في التطبيق.

قال: إذا أردت أن تتكلم مع الأوروبي من فضلك تكلم عن الواقع ولا تتكلم عن المستقبل أو عن الماضي قبل 14 قرناً. قلت: أنا لا أتكلم عن الإسلام إلا من طريق القرآن والسنة فقط، ولا أتكلم عن إسلام متوهم يخالفهما، قلت لك: إن المبدأ الأساسي عند المسلم هو هذا، وأنا إذا تكلمت عن الإسلام إنما أتكلم عنه من هذا المنطلق. قال: حتى في هذا المجتمع لكم الحق ولكم الحرية باعتقاد القرآن والسنة. قلت: والتطبيق؟ قال: التطبيق شيء آخر. قلت له: العقيدة بدون تطبيق شبيهة بالعدم. وإلى هنا انتهى الحوار مع المستشرق الهولندي الدكتور فان في جامعة ليدن، وكان حوارا طويلا كما هو واضح.

رجعنا بعد انتهاء تلك المقابلة مع المستشرق الهولندي الدكتور فان إلى مدينة أمستردام، حيث تركني الأخ محمد جمعة في الفندق لكتابة ما سجلته من الحوار السابق من شريط (الكاسيت). ثم جاءني بعد المغرب فنقلني إلى منزله لتناول طعام العشاء، وإكمال بعض الأسئلة مع زوجته، وهذه الأسئلة تتعلق بالشؤون الاجتماعية [وقد أضفت تكملة الحوار الذي تم معها هذه الليلة، إلى ما سبق من الحوار معها].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

10473519

عداد الصفحات العام

865

عداد الصفحات اليومي